المقريزي
561
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ففطن قراسنقر لذلك وشرع نوغاى يتحدّث في حقّ قراسنقر بما لا يليق ، حتى ثقل عليه مقامه ، فقبض عليه بأمر السّلطنة ، وسجن بقلعة دمشق . ثم إنّ السّلطان صرفه عن نيابة دمشق ، وولّاه نيابة حلب بسؤاله ، وذلك في المحرّم سنة إحدى عشرة وسبع مائة وكتب السّلطان إلى عدّة من الأمراء بالقبض عليه مع الأمير أرغون الدّوادار ، فلم يتمكّن من التّحدّث في ذلك لكثرة ما ضبط قراسنقر أموره ، ولازمه عند قدومه عليه بتقليد نيابة حلب ، بحيث لم يتمكّن أرغون من الحركة إلى مكان إلّا وقراسنقر معه . فكثر الحديث بدمشق أنّ أرغون إنّما حضر لمسك قراسنقر ، حتى بلغ ذلك الأمراء ، وسمعه قراسنقر فاستدعى بالأمراء ، وحضر الأمير أرغون ، فقال قراسنقر بلغني كذا ، وها أنا أقول إن كان حضر معك مرسوم بالقبض عليّ فلا حاجة إلى فتنة ، أنا طائع السّلطان ، وهذا سيفي خذه ، ومدّ يده وحلّ سيفه من وسطه . فقال أرغون ، وقد علم أنّ هذا الكلام مكيدة ، وأنّ قراسنقر لا يمكّن من نفسه : إنّي لم أحضر إلّا بتقليد الأمير نيابة حلب بمرسوم السّلطان وسؤال الأمير ، وحاشا للّه أنّ السّلطان يذكر في حقّ الأمير شيئا من هذا . فقال قراسنقر : غدا نركب ونسافر . وانفضّ المجلس . فبعث إلى الأمراء ألّا يركب أحد منهم لوداعه ، ولا يخرج ، وفرّق ما عنده من الحوائص ومن الدّراهم على مماليكه ليتجمّلوا به على / أوساطهم ، وأمرهم بالاحتراس ، وقدّم غلمانه وحواشيه في الليل وركب وقت الصّباح في طلب عظيم - وكانت عدّة مماليكه ستّ مائة مملوك قد جعلهم حوله ثلاث حلقات - وأركب أرغون إلى جانبه . وسار على غير الجادّة حتى قارب حلب ، ثم عبرها في العشرين من المحرّم ، وأعاد أرغون بعدما أنعم عليه بألف دينار وخلعة وخيل وتحف ، وأقام بمدينة حلب خائفا يترقّب ، وشرع يعمل الحيلة في الخلاص ، وصادق العربان ، واختصّ بالأمير حسام الدّين مهنّا أمير العرب وبابنه موسى وأقدمه إلى حلب ، وأوقفه على كتب السّلطان إليه بالقبض عليه ، وأنّه لم يفعل ذلك ، ولم يزل به حتى أفسد ما بينه وبين السّلطان . ثم إنّه بعث يستأذن السّلطان في الحجّ ، فأعجب السّلطان ذلك ، وظنّ أنّه بسفره يتمّ له التّدبير عليه لما كان فيه من الاحتراز الكبير ، وأذن له في السّفر ، وبعث إليه بألفي دينار مصرية ، فخرج من حلب ومعه أربع مائة مملوك معدّة بالفرس والجنيب والهجن ، وسار حتى قارب الكرك ، فبلغه أنّ السّلطان كتب إلى النوّاب ، وأخرج عسكرا من مصر إليه .